الاحداث- كتبت صحيفة الاخبار تقول:"برغم تركيز الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام على «حصرية» مسار واشنطن لمعالجة ملف الاحتلال، فإن جميع الأوساط المحلية والإقليمية عادت لتراقب نتائج التصعيد القائم على الجبهة الأميركية – الإيرانية وانعكاس ذلك على جبهة لبنان، خصوصاً مع امتناع العدو عن الانسحاب من أي منطقة محتلة بعد، وإصراره على فرض شروط أمنية على الجيش اللبناني، وسط انطباع بأن الأمور قد تشهد تعقيداً إضافياً قبل اجتماع روما في الرابع من الشهر المقبل، ما لم تنجح الولايات المتحدة في إقناع إسرائيل بالانسحاب من مناطق محتلة ووقف عمليات التدمير.
وأمس تركّزت الأنظار على متابعة ما يحصل في «المناطق التجريبية»، وبعدما دخل الرئيس نواف سلام الأربعاء الماضي إلى زوطر الغربية لعشر دقائق، كان الأهالي ينتظرون الإذن من الجيش للدخول وتفقّد بيوتهم وممتلكاتهم. لكنّ سلام حصل على مُراده، لجهة الصورة، ورفع العلم اللبناني لتثبيت سرديته. لكنّ الأمر لم يحتج إلى أكثر من 24 ساعة لتبيان كذبة «المناطق التجريبية». وأمس، تبيّن أنّ الهدف من اتفاق الإطار هو وضع الجيش مقابل الناس.
ومنذ الصباح تجمّع أهالي زوطر على مدخلها بانتظار «الإذن بالدخول»، بعدما باتوا هناك ليومين كاملين، وقد افترشت العائلات الطرقات، وحضر الأهالي مع أولادهم، وحاجاتهم، لأن الدولة وعدتهم بالعودة وسرقت منهم الصورة الأولى، وفي النهاية منعتهم من الدخول إلى القرية كما يريدون، ومارست ما يريده العدو عليهم، فتمّ إطلاق أوسع عملية تفتيش وتحديد مسارات الدخول والخروج، مع جدول زمني يُمنع تخطّيه.
في المحصّلة، مُنع الأهالي من الدخول بحرية لتفقّد بيوتهم وممتلكاتهم. وبعد انتظار دام أكثر من 6 ساعات وبسبب تعاظم الضغط، سُمح لأعداد قليلة من أهل القرية بالدخول إليها وضمن شروط محدّدة مثل تحديد عدد الموجودين في القرية بخمسة أشخاص فقط في كلّ دفعة، وعدم التوجه إلى الأحياء المواجِهة لقرية زوطر الشرقية التي يحتلها العدو، وتفتيش سيارات الأهالي والتدقيق في هوياتهم. وقد يكون ما حصل هو «بروفة» لما تريده السلطة من تحويل الجيش إلى قوّة تنفيذية لجيش الاحتلال، فتتحوّل مهمته إلى البحث عن السلاح المقاوم، ومنع عودة الناس، والحدّ من أعداد الجنوبيين في قراهم.
قلق أوروبي من تجدّد الحرب
في هذه الأثناء، يبدو أن «اتفاق الإطار» معطوفاً على التوتر في المنطقة، قد عزّزا المخاوف الأوروبية تجاه الوضع اللبناني. حيث تبرز خشية من خسارة حضورٍ لطالما عملت جاهدةً للحفاظ عليه على الضفة الشرقية للبحر المتوسط، خصوصاً مع النزعة الأميركية للهيمنة الشاملة على المنطقة، وتحرّر إسرائيل شيئاً فشيئاً من التبعية الغربية وتوازنات النفوذ التي أنتجتها المرحلة الماضية.
ومع ذلك، فقد بعثت أوروبا برسالة دعم إلى عون، من خلال اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية مع سفراء وممثّلي دول الاتحاد الأوروبي، برئاسة سفيرة الاتحاد ساندرا دي وال. لكنّ الجانب الأوروبي حرص أيضاً على التعبير عن رغبة قوية بإثبات الحضور ومواكبة التحوّلات.
ومع أن اتفاق الإطار يتناسب مع الرغبة الأوروبية الدائمة بعقد مفاوضات مباشرة ونزع سلاح حزب الله وعزل إيران عن لبنان، إلّا أن القلق بدأ مع إخراج فرنسا من المعادلة الحالية بعد تهميشها في لجنة الميكانيزم، وإنهاء أميركا لملفّ «اليونيفل»، واعتراض إسرائيل القاطع على وجود أي قوّة عسكرية أوروبية تقوم مقام «اليونيفل» في الجنوب.
هل فرض العدو على الجيش جدولاً زمنياً لدخول الأهالي وعمليات التفتيش والتضييق؟
ويشعر الأوروبيون بأن دورهم يقتصر على تقديم مساعدات مالية وتقنية، بينما تستحوذ الولايات المتحدة على الملفات السياسية والأمنية. أمّا في الملفات المؤثّرة، فيوضع الأوروبيون أمام تنافس خفي مع النفوذ الأميركي ومحاولات الإقصاء الأميركية والإسرائيلية. الى جانب الخشية من دور اضافي لتركيا بعدما ظهر الامر في قمة «الناتو» الأخيرة في تركيا، ما يضع أوروبا أمام التنافس مع النفوذ التركي المتصاعد في سوريا ولبنان ودول أخرى في الإقليم.
وتبرز الخشية الأوروبية عموماً من الوضع اللبناني، من تعنّت إسرائيل برفض الانسحاب من الأراضي اللبنانية، وتمسك حزب الله بسلاحه، إضافة إلى عدم الثّقة بالإدارة الأميركية الحالية، وقدرتها على ممارسة ضغوط حقيقية على إسرائيل لتنفيذ الانسحاب من لبنان، والاعتقاد بأن تطبيق اتفاق الإطار ستتم عرقلته من جانب إسرائيل والتذرّع بعدم قيام الحكومة اللبنانية بنزع كامل سلاح الحزب، والاستمرار على هذا الموقف حتى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.
وتعتقد مصادر دبلوماسية أوروبية في بيروت، بأن «بقاء إسرائيل في لبنان يعطي الحزب ذريعة للاحتفاظ بالسلاح وفرصة للعودة إلى القتال في حال اندلاع جولة جديدة من القتال بين الولايات المتحدة وإيران، بما يعيد ربط الملف اللبناني بالملف الإيراني». وتضيف إلى ذلك «المخاوف الأوروبية من شعور حزب الله بالضغط الكبير بين الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، والضغوط الحكومية لتسليم السلاح، مع ما يعني ذلك من صدام عسكري بين الحزب والجيش اللبناني».
أبرز ما يقرأه الأوروبيون من هذه السيناريوات، هو تجدّد الحرب وتدهور الوضع الأمني في الداخل، ما يعني تصاعد نسبة الهجرة من لبنان، خصوصاً أن أوروبا نالت نسبةً ليست قليلة من عدد المهاجرين اللبنانيين في السنوات الأخيرة. وتبدي المصادر مخاوف أوروبا إزاء الحماسة الزائدة التي يبديها ترامب لإدخال قوات عسكرية تابعة للرئيس السوري أحمد الشرع إلى لبنان بهدف الضغط على حزب الله. وهذا ما يفسّر النصائح القوية التي وجّهها الفرنسيون والألمان إلى الشرع بإهمال دعوات ترامب.